الشيخ محمد الصادقي

106

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

« اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ » لا يعني إلّا مجرد ذكره عند الملك ليخرج عن التناسي المعمّد بحقه على ذكر تهمة الخيانة المتداولة على الألسن ، دون أية وساطة بينه وبين الملك ، أو التماس عفو أمّا ذا مما لا تناسب ساحة العبودية فضلا عن سماحة الرسالة ، فإنما « اذكرني » والذكر فقط ، ولو كان أمرا وراءه قال : عند الملك ، أم : عند الرب أم : عند ربنا ، ليستجيش رحمته عليه ، ولكنه « عِنْدَ رَبِّكَ » إعلانا بان ربوبيته وسلطته ليست على ذلك السجين ، وإنما على ربعه والذين استخفهم فأطاعوه . وحتى إذا أرسل إليه الملك « ائْتُونِي بِهِ » يقول لرسوله « ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ » دون استجابة لدعوة الخروج ، ولا امتنان منه ، فإنما « ارْجِعْ . . . فَسْئَلْهُ . . » ليأخذ البراءة وهو في السجن ، فيكون خروجه عن سجن التهمة قبل هذا السجن الذي قال عنه : « رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ » . « فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ » انشغالا بما كان من سقاية الخمر للملك ، وتناسيا تلك الفترة الرحيمة في سجنه مع يوسف الصديق ، حيث الشيطان يحاول دوما في إبقاء الصدّيقين في السجن بتهمة الخيانة أمّا هيه من تهمة ، ومن مخلفات ذلك النسيان : « فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ » والبضع فوق الثلاثة ودون العشرة ، ثم لا نرى يوسف أن يعود في التوسل ، حيث طبّق واجبه الإيماني والرسالي وعلّ في تكراره مع السجناء الآخرين مزرئة بساحة الرسالة ، فيصبر حتى يحكم اللّه وهو خير الحاكمين ، ولم يكن طائل السجن له في باطن أمره إلّا لصالحه ، فعلّه لو خرج قبل بضعه لكان فيه تهدد لبضعه من كيد امرأة العزيز ونسوة في المدينة !